محسن باقر الموسوي

381

علوم نهج البلاغة

أرى أحدا منكم يشبههم ، لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا وقد باتوا سجدا وقياما ، يراوحون بين جباههم وخدودهم ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم ، كأنّ بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم ، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبلّ جيوبهم ومادوا كما يميد الشجر في يوم الريح العاصف خوفا من العقاب ورجاء للثواب » « 1 » . ووصف الشهداء من أصحابه : « أين نظراؤهم من إخوانهم الذين تعاقدوا على المنية وأبرد برؤسهم إلى الفجرة » . ووصف المتقين : « غضّوا أبصارهم عمّا حرّم الله عليهم ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم ، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرّخاء ، ولولا الأجل الذي كتب الله لهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب ، وخوفا من العقاب ، عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم » « 2 » . وبالمقابل وصف المنافقين : « حسدة الرّخاء ، مؤكدوا البلاء ومقنّطوا الرجاء ، لهم بكل طريق صريع ، وإلى كلّ قلب شفيع ، ولكلّ شجو دموع ، يتقارضون الثناء ، ويتراقبون الجزاء ، إن سألوا ألحفوا ، وإن عذلوا كشفوا ، وإن حكموا أسرفوا ، قد أعدّوا لكل حق باطلا ، ولكل قائم مائلا ، ولكل حيّ قاتلا ولكل باب مفتاحا ، ولكل كيل مصباحا ، يتوصّلون إلى الطمع باليأس ليقيموا أسواقهم وينفقوا به أعلاقهم » « 3 » . ولم يكتف بوصف الإنسان بل وصف الحيوانات ، وصف الطاووس والنملة والجرادة بأدق وصف . ولم يكتف بوصف الأحياء بل وصف الأموات أيضا : « فكفى واعظا بموتى عاينتموهم حملوا إلى قبورهم غير راكبين ، وأنزلوا فيها غير نازلين كأنهم لم يكونوا للدنيا عمّارا ، وكان الآخرة لم تزل لهم دارا ، أوحشوا ما كانوا

--> ( 1 ) باب الخطب : ( 96 ) ص 107 المؤسسة . ( 2 ) الخطبة : 184 . ( 3 ) الخطبة : 185 .